|
|
|
|
|
اعمدة ومقالات
|
تذكرة داودمصطفى عمار كنت استمع الي حكايات وقصص عن تلك التذكرة التي تحوي بداخلها وصفات سحرية للشفاء من أمراض عديدة.. تذكرة داود الشهيرة من الممكن أن تشفي بدنك. ولكن ستترك قلبك بأوجاعه..بوحدته.. بكفره وعصيانه.. وبأروع لحظات إيمانه.. وإذا حاولت أن تبحث عن تذكرة داود لشفاء أمراض القلوب فعليك أن تفكر في اسم واحد فقط "داود عبدالسيد" مخرج يمتلك الوصفة السحرية لعالم تدخله باختيارك وأنت مغمض العينين. هذه المرة فضلت الاحتفاظ بتذكرة فيلمه الأخير "رسائل بحر " الفيلم مسني بداء العشق. دمعت عيناي ، ليس تأثرأً من أحداث الفيلم ولكن لسيرة رجل بحجم وموهبة داود عبدالسيد.. سألت نفسي وأنا أتابع شريطه السينمائي.. لماذا لم يتمتع الرجل بشهرة تجعل الجمهور يحفظه ويتابع أخباره وأفلامه مثلما يحدث مع انصاف مخرجين أخرين لا يمتلكون ذرة من موهبته ! أيقنت أن السر في صمت الرجل الذي حوله لراهب في معبد السينما. عيناي دمعت لأن مصير الموهوبين والمحبين لهذا البلد هو مصير داود عبدالسيد.. يقاتل ويحارب ويبيع ما يملك لينفذ حلم من أحلامه.. بينما أخرون أقل موهبة ينفذون أحلامهم قبل رؤيتها. سألت نفسي لماذا لا يقدم داود عبدالسيد فيلما كل عاما. أسكتني هذه المرة الاحباط لأن الرجل ظل لثلاث سنوات يناضل من اجل خروج فيلمه الأخير " رسائل بحر " للنور. نحن في زمن يتحمس فيه المنتجون للقوادين وكذابي الزفة والمدعين. فضلت الاحتفاظ بتذكرة الفيلم لأنني إكتشفت أنني منذ فترة طويلة لم أدخل السينما.. بمفهومها الذي يقدمه داود والذي عبر عنه بأحد أروع مشاهد السينما بفيلمه «رسائل البحر» عند رصد الحالة التي تضعك فيها السينما بين الدمعة والابتسامة، وبين جنة الجنس ونار الفراق. داود حالة لن تتكرر. لن تقدم السينما المصرية رجلا يحترم موهبته وحرفيته لهذه الدرجة. رجلا يراهن علي الصغار ليحولهم إلي عمالقة علي شاشته. شاهدت محمد لطفي كأنني أراه للمرة الأولي. اكتشفت آسر ياسين من جديد ومعه بسمة. حتي مي كساب لم تكن هي في شريط داود عبدالسيد الذي قدم للسينما هدية تحمل عنوان «رسائل البحر» ومعها مدير تصوير بموهبة أحمد المرسي. فريق عمل كامل لا يوجد بينهم نجم واحد بخلاف داود الذي منحهم من موهبته وحضوره ليتحولوا جميعاً الي نجوم تسبح في مجرته السينمائية. لا أهوي تحليل الافلام ورصدها. أتمتع فقط بما تتركه في نفسي من أثر طيب.. ولكنني بعد الفيلم لم أتمالك نفسي وأنا أصرخ في أذن صديقي أحمد فايق وأقول له : ده ظلم ولا فوضي. هل ظلم أن يظل داود عبدالسيد مبتعدا عن السينما لأكثر من سبع سنوات. هل ظلم أن يموت أحمد زكي قبل أن ينفذ هذه الملحمة ليلطخ أبناء أديب سيرته بكوميديا حليم. أم أن السماء كانت تحتفظ لآسر بمنحة من توقيع داود عبدالسيد. الظلم علي أرض هذا البلد كثير ولكن الفوضي أكثر. الفوضي في أن تشارك وزارة الثقافة في إنتاج «رسائل البحر» دون أن تفكر في إنتاجه بالكامل علي نفقتها. الفوضي في أن تهلل الوزارة لفيلم «المسافر» ولا يخرج تصريح واحد منها عن «رسائل بحر». الفوضي أن يحبس نص بهذا الإبداع كل هذه الأعوام.
|
|
|
|
|
|
| |
|
|
|
|