تحدث عن الجنس كما تشاء...بشرط أن تشتمه!عصام زكريا رغم كل دعاوي "السينما النظيفة" التي تروج لها وتمتدحها الغالبية الساحقة من الجمهور والصحفيين والفنانين، إلا أنها لم تمنع السينما المصرية من كسر العديد من التابوهات الجنسية في الفترة الأخيرة، مما يجعلنا نتساءل: هل أصبح الجمهور المصري مستعدا لتقبل الجنس في الأفلام؟ وما الذي صنع هذا التحول الذي يثير دهشة الكثيرين؟
في فيلمين يعرضان حاليا هناك مشاهد نادرا ما كانت تعرض في السينما المصرية. الأول هو "أحاسيس" الذي تقوم فيه الممثلة علا غانم بممارسة العادة السرية علي الشاب الذي فشلت في الزواج منه، والثاني هو "رسائل البحر" الذي تقوم فيه الممثلتان دعاء حجازي وسامية أسعد بأداء مشهد ايروتيكي (شهواني) طويل، تنجح فيه الأولي بغواية الثانية، ثم مشهد جنس مثلي بينهما تظهر خلاله الممثلة الأولي عارية تماما من خلف زجاج الباب.
العري خلف الزجاج يذكرنا بمشهد علا غانم وشريف منير في فيلم "سهر الليالي" الذي كان من أوائل الأفلام الشعبية "الجريئة"، مقارنة بالأفلام الفنية لمخرجين مثل يسري نصرالله في "المدينة" وعاطف حتاتة في "الأبواب المغلقة" وأسامة فوزي في "جنة الشياطين" إذ قدموا مشاهد ومضامين جنسية جريئة، لكن الشعبية المحدودة لأفلامهم ومستواها الفني العالي حمياها من الهجوم والجدل.
هذا المقال لا يركز علي الأفلام "الفنية" التي تصنع بغض النظر عن النجاح التجاري، لكن علي أفلام السينما السائدة تجاريا، وقد كان نجاح "سهر الليالي" عام 2003 مفاجأة للعاملين في الصناعة الذي كانوا يتخيلون أن الجمهور المصري الذي بات محافظا جدا لن يقبل علي فيلم وصمته الرقابة بأنه "للكبار فقط"، هذا النجاح دفع بعدد من السيناريوهات المماثلة إلي مرحلة الانتاج كما شجع عددا من المنتجين علي الاقتراب بحذر وبالتدريج نحو التابو الجنسي.
لكن سواء كانت الأفلام فنية أو تجارية، فإن الجنس لم ينقطع تماما عن السينما المصرية في أي يوم، لكنه كان، ولا يزال ينتقد بشدة من الجميع في حالة الأفلام التجارية ومن الجميع ما عدا بعض النقاد في حالة الأفلام الفنية.
هذه الحالة من "الحضور الجنسي" الدائم الذي تقابله حالة إنكار واستنكار دائم تحتاج إلي بحث.
علي احدي القنوات الفضائية اللبنانية، الممولة من السعودية، شاهدت حلقة من برنامج اسمه "بدون رقابة" تقدمه مذيعة مصرية اسمها وفاء الكيلاني، كانت تستضيف الممثلة غادة عبدالرازق التي اشتهرت مع عدد قليل من زميلاتها بقبول "الأدوار الجريئة" التي تتطلب بعض العري والقبلات، الحلقة نموذج لموقف الجمهور والإعلام من الجنس في الأفلام، المذيعة ليس لديها شيء تسأل عنه سوي الجنس، وهي تتخذ الطابع الهجومي المنتقد كمسألة مبدأ مع أن أسئلتها وصلت إلي درجة من "الجرأة" غير المعتادة في برامج التليفزيون مثل سؤال الضيفة عن رأيها في "الشذوذ الجنسي" وهل تؤيده، وعن الممثلة الأكثر إثارة بين زميلاتها.
هذه النوعية من البرامج انتشرت جدا، مثل برنامج زاهي وهبة الذي عرضته قناة "القاهرة والناس" في رمضان الماضي وحتي التليفزيون المصري استعان بالمخرجة ايناس الدغيدي لتقديم برنامج بعنوان "الجريئة"، وقد شاهدت علي الانترنت حلقة من برنامج فضائي يستضيف الشاعر أحمد فؤاد نجم ليتحدث عن المغنية والممثلة روبي بألفاظ لا يمكن السماح بنشرها علي صفحات هذه الجريدة.
هناك هوس بالحديث في الجنس لدي الناس ووسائل الإعلام، ولا يخلو حوار صحفي مع فنانة أو فنان من السؤال عن رأيه في مشاهد الاغراء، وبنفس الطريقة الهجومية لمذيعة "بدون رقابة"...حتي القنوات الدينية لا تخجل ولا تشبع من الحديث في تفاصيل العلاقات الحميمة.
المشكلة تبدأ عندما يدخل حديث الجنس إلي مجال الصورة، وقد عبر عن هذه الفكرة سيناريست اشتهر بكتابة الحوارات الجنسية الفجة في أفلامه الكوميدية عندما نظر للموضوع "ثقافيا" موضحا أن تراثنا يمتلئ بالكتب والأشعار والقصص الجنسية وهذا ليس قلة أدب علي عكس المشاهد المصورة التي تعتبر عيبا وحراما وقلة أدب!
جزء من أزمتنا مع الجنس في السينما يقع فعلا في هذه العقلية الثقافية التي تعتبر أن الجسد العاري أو القبلة شئ مخجل ومثير للشهوات أما الألفاظ مهما بلغت وقاحتها أو إيحاءاتها فهي شيء عادي أو أقل خطرا.
لذلك، ورغم أن السينما المصرية لم تتقدم علي مستوي الصورة، إلا أنها خطت خطوات كبيرة علي مستوي اللغة، في الألفاظ الجنسية التي تقال علي سبيل النكتة والشتيمة، وفي الحوارات الجادة.
النموذج الأول لذلك نجده في أفلام عادل امام الذي يفهم طبيعة جمهوره جيدا: انهم يحبون الألفاظ الخارجة الموحية ثم الملابس الداخلية الكاشفة والأجساد الأنثوية النافرة من وراء الملابس ثم مشاهد الفراش بدون جنس وفي النهاية تأتي القبلات التي يجب أن تكون رمزية!
انظر إلي "التجربة الدنماركية" و"السفارة في العمارة" و"بوبوس" لترصد هذا الانشغال الهوسي بتقديم الجنس ولكن في إطار لفظي وكوميدي ومعاد للمرأة...نسيت أن أقول إن الجنس يصبح أكثر قبولا لدي جمهورنا حين يكون مصحوبا بعداء معلن للمرأة مصدر الغواية كما نري في النموذج الكلاسيكي "شباب امرأة" لصلاح أبو سيف.
وللحديث بقية... |