بلاتوه الفجر

رسائل البحر..الحياة في سيمفونية بصرية

احمد فايق

إضغط لتكبير الصورةيمزج داود عبد السيد في فيلمه الجديد "رسائل البحر" التوثيق بالخيال والميثولوجيا بالواقع والميتافيزيقا بالطبيعة والميلودراما بالواقعية في سيمفونية بصرية اكتمل نظامها بالتصوير والديكور واختيار الالوان، قصيدة تدعو للتأمل والتفكير والتحريض .. عليك أن تتأمل من خلال هذه الكاميرا المعمار في الاسكندرية وكيف كانت مدينة مفتوحة بلا خوف علي العالم كله ثم انغلقت علي نفسها الآن ، تابع أطفال الشوارع الذين يأكلون الكشري علي الرصيف من شرفة مطعم راق، الزمان هو شتاء مابعد عام 2000 والمكان هو مدينة الاسكندرية والموضوع انهيار إنسان وميلاده من جديد، وبالتالي هناك للفيلم أكثر من قراءة، ولكل قراءة تحليل مختلف عن الاخر فلو رأيناه بالمنظور الوجودي سنجد إنساناً ينهار في القاهرة ويعود إلي الاسكندرية التي ولد فيها، هناك يولد طفلا ويكتشف الاشياء من جديد حوله ويتنقل بين عوالم مختلفة "الحب والغواية " "المنح والمنع من الله " "الصداقة.. السلطة.. بشر تحمل إيقاعا مختلفا " "الصواب والخطأ "" القوانين التشريعية التي تحكم العلاقة بين البشر والقوانين الانسانية التي تحكم نفس العلاقة ".

ولو قرأناه من منظور اجتماعي نري الطبقة الوسطي من خلال نموذجين الاول "يحيي " الطبيب الذي يعاني من التهتهة" عدم القدرة علي التواصل " وعلي الرغم من أنه نجح بتقدير امتياز إلا أنه فشل في التعامل مع المجتمع لذا يترك القاهرة ويبحث عن الحياة.. الحياة التي يمنحها له البحر في رسالة غير مفهومة .. النموذج الثاني هو "نورا " مجازا نعتبرها طبيبة الروح والتي تعزف البيانو يوميا في منزلها الذي تحول لمقبرة بسبب علاقة زوجية فارغة من معناها الروحي.. ألحانها مليئة بالحزن والالم لانها تشعر بداخلها أنها "مومس ".. هي الزوجة الثانية وتحقق لزوجها رغباته الجسدية فقط واصبحت بئرا يفرغ فيها متعته..

وحينما يلتقي الروح بالجسد يولد الحب بين "يحيي " و"نورا" يتوقف يحيي عن "التهتهة "، أخلاقيا وسياسيا واجتماعيا وفلسفيا يمر بنا الفيلم في رحلة مزدوجة بين التمرد من جانب والتسامح من جانب اخر، يتمرد "يحيي" علي حياته القديمة وقيودها يساعده في هذا وفاة الاب ويولد من جديد في الاسكندرية، يتمرد أيضا علي السلطة متمثلة في الشرطة ليواصل داود عبد السيد هجائيته لمعظم الانظمة في أفلامه متمثلة في الشرطة، وفي مشهد جميل يتمرد علي سلطة أكبر حينما يشعر بالجوع ويقول "ده ظلم ولا فوضي ".

ولكن هناك دعوة عامة للتسامح في الفيلم، يجب ان نتسامح مع "قابيل " القاتل الاول في الانسانية.. لكننا في المقابل لن نفقد الذاكرة التي تمتلئ بالكثير "القتل واصدقاء العمل وبائعة الخضار واصدقاء الساحة ويحيي وبيسة الفتاة التي وقع في غرامها ".. يتسامح يحيي مع حبيبته الاولي "كارلا" التي فضلت الغواية علي الحب .. يتسامح مع "نورا " علي الرغم من أنها مومس ويتقبل أيضا أن يربي طفلا منها لا يثق في أبوته له.. يستمد قدرته علي هذا من خلال عنصرين رئيسيين الاول قلبه والثاني "فرنشيسكا" الجارة الايطالية التي بقت من زمن تذوقنا جماله في هذا الفيلم.

التسامح والتمرد مكملان لبعضهما البعض وليسا متناقضين، التسامح لا يعني السلبية والتمرد لا يعني الغوغائية، الفيلم يدعوك أن تتمرد علي نماذج طفيلية مثل "الحاج هاشم " رمز الرأسمالية المتوحشة الاستهلاكي الذي يريد أن يهدم الذاكرة متمثلة في البناية الجميلة ويبني بدلا منها مولا تجاريا.. يستخدم الدين في تحقيق مصالحه الشخصية ويعود بنا الي محاكم التفتيش في العصور الوسطي.. يجلس في سوبر ماركت دميم، البضاعة موضوعة فيه بشكل عشوائي غير جمالي.. ووجبة الافطار تدل علي ثقافته المنحطة.. هو نفسه الذي يستخدم الديناميت في صيد الاسماك لنجد "يحيي" و"نورا " في "مركب " يحمل اسم القدس وحوله مئات من الاسماك المقتولة بالديناميت في وسط بحر يجمع العرب كلهم ، يدعو داود الي التمرد علي سلطة تعتبر من يبذل مجهودا من أجل الاستماع للموسيقي والابداع سكيرا...!

يدعوك للتمرد علي هذا المجتمع الاستهلاكي الذي غابت فيه المفاهيم وتاهت الاشياء بداخله.

استخدم مدير التصوير أحمد المرسي لونين رئيسيين لتحقيق وحدة في الصورة وهما الازرق والاصفر.. ووصل بالفيلم الي جمال صورة السينما الايطالية، حركة الكاميرا من داود عبدالسيد هادئة ناعمة لا تشعر بها.. مونتاج مني ربيع حافظ علي إيقاع الفيلم والانتقال من مشهد لاخر بثلاثة طرق ما بين القطع الحاد والإظلام التدريجي والمزج متوازيا مع الدراما معبرا عن حالة المشهد.. هناك اسمان أصبحا مجرد وضعهما علي تترات أي فيلم يضمن جودته الفنية وهما المنتج الفني إيهاب ايوب والموسيقار راجح داود والاخير جزء مهم من عالم داود عبد السيد.

لي تساؤلات بسيطة حول أهمية وجود تعليق صوتي في الفيلم والصورة تعبر عن كل شيء؟ هل عدم وجود خلفيات كافية عن شخصية يحيي اثرت في الاسلوبية في النصف الاول؟ هل هناك بعض المشاهد التي كانت تستحق قلباً شجاعاً أكثر في المونتاج ؟

إن فيلم "رسائل البحر " جميل لم أر مثله منذ سنوات كثيرة في السينما المصرية، لا يقل إبداعا عن أفلام شاهدتها في مهرجاني "كان " و"فينسيا " ومن لن يشاهد هذا الفيلم فإنه سيخسر سينما حقيقية، ياشعب مصر شاهدوا فيلم "رسائل البحر " فإنه يستحقكم وأنتم تستحقونه.

 
 
     شــارك بـرأيـك
       اسم الظهور   
     البريد الالكترونى    
     عنوان الموضوع    
       المشاركة