| النكتة شهيرة.. قرر الشيطان تقديم استقالته.. وشوهد وهو يخرج من مطار القاهرة غاضبا.. وعندما سئل عن السبب قال : إن الأثرياء في هذا البلد يسرقون وينهبون ويكذبون ويرتشون وينافقون وبعد أن يجمعوا المليارات في الحرام يقولون : "هذا من فضل ربي".
صورة الشيطان في السينما والأساطير وحكايات ألف ليلة والموسوعات الدينية صورة مخلوق وهمي تلتصق فيه ملامح إنسان بملامح حيوان.. وجه قبيح.. عينان ماكرتان.. قرنان طويلان.. لحية صغيرة.. سكسوكة.. حوافر مشقوقة.. وذيل طويل ينتهي برأس حربة.
هذه هي صورة الشيطان الذي رمينا عليه كل أخطائنا وجرائمنا وعاهاتنا منذ أن وسوس بأكل التفاحة المحرمة وطرد آدم وحواء من الجنة.
والحقيقة أن ما يفعله البعض منا يتجاوز خبرات الشيطان الساذجة التي ترصدها الكتب المقدسة.. وهو ما يجعل الشيطان يستحق أن نوكل له محامياً يرد عنه كل التهم الباطلة التي مسحناها في ذقنه وقمنا نصلي الفجر.
إن من حق الشيطان أن يطالب بوثيقة رد اعتبار لو قرأ السيرة الشخصية لرجل الأعمال المصري شاهين صقر.. سيكتشف الشيطان بعد أن ينتهي منها أنه مسكين.. وبريء.. وساذج.. ويشرب الحليب من البيبرونة.. ويأكل الكورن فليكس بالزبيب.
لم يتمالك كل الذين شاركوا شاهين صقر في الحج أنفسهم من الضحك.. فهو لم يكتف برمي إبليس بجمرات الحجارة فقط إنما خلع نعليه وألقي بهما في وجهه وهو في شدة الانفعال.. لكنه.. ما إن عاد إلي خيمة شركة السياحة المكيفة في جبل مني حتي أمسك بتليفونه المحمول قائلا : "دشدشوه".
إن آخر شركة انضمت لمجموعته.. شركة تشتري الشيكات التي بلا رصيد للمستفيدين منها بنصف الثمن ويتولي طاقم من المحامين والبلطجية وأصحاب السوابق وضباط شرطة سابقين تحصيلها كاملة بالذوق أو بالعافية.. بالقانون أو بالقوة.
لكن.. نشاطه الرئيسي.. تجارة السلاح.. وعقود قطع الغيار.. وهو نشاط شديد السرية.. والخطورة.. يدين من يمارسه بالولاء للدولة البائعة كي تسانده والدولة المشترية كي ترضي عنه.. وكأنه أقرب للعميل المزدوج.. يمشي علي سلك رفيع معلق في الهواء يمسك بطرفيه شخصان يجب أن يتفاهما معا وإلا سقط تاجر السلاح وانكسرت رقبته.
وهناك بالقطع أنشطة أخري.. توكيلات سيارات.. شركات ملاحة.. مشروعات عقارية.. ولو كانت الدعارة نشاطاً ممكناً لما تردد في بيع أجساد النساء في سوق المتعة بالكيلو جرام.. فالمرأة والزهور والشبمانيا هدايا لا يكف عن إرسالها للكبار.. كبار الزبائن.. وكبار ضيوفه الأجانب.. وكبار رجال الدولة.. لمن استطاع إليه سبيلا.. فهناك من يفضل رشوة من نوع آخر.. دعوة للحج كي يمسك بشباك النبي ويغسل بدموعه ذنوبه.
لم يكن أحد من عائلته يتخيل أنه سيصل إلي هذه الدرجة المنفلتة من السلطة والثروة.. لقد تلقي - وهو طالب في الجامعة - أشد صدمة في حياته.. استيقظ من نومه ليجد صورة أبيه تتصدر الصفحات الأولي من الصحف مع عناوين قاسية أصابته بعمي مؤقت: "القبض علي السفير محسن صقر وهو يهرب شحنة من الهيروين مستخدما حصانته الدبلوماسية".. "الخارجية توقفه عن العمل وتنتظر نتيجة التحقيق معه لتحديد مصيره".. "قيمة المخدرات تتجاوز المليون دولار والتكهنات تشير إلي أنها ليست المرة الأولي".
كان أبوه كل شيء في حياته.. لقد اختفت أمه وهو صبي صغير.. هربت من زوجها حين كان دبلوماسياً متوسط المنصب في البعثة المصرية في بودابست عاصمة المجر.. حاولوا إقناعه بأنها مرضت.. وماتت.. لكنه.. كان يشعر - من تغير ملامح أبيه كلما جاءت سيرتها - بأنها ارتكبت فضيحة يخفونها عنه.. وهو يعتقد أنه سمع صوتها في التليفون أكثر من مرة.. علي أنهم كانوا يكذبونه وإن سعوا في الوقت نفسه للتخفيف عنه بشراء ما يريد.. ومن يومها وهو يجيد الكذب والتمثيل وتقمص دور الضحية.. من يومها وهو يعرف كيف يصل إلي ما يريد.
ولا شك أن السنوات الطوال من عمره التي قضاها متنقلاً مع أبيه في عواصم مختلفة أكسبته مهارات شخصية في التعامل مع جنسيات وأنماط متنوعة من البشر.. سهلت عليه تحقيق ما يريد.. تعلم كيف يخفي مشاعره.. ويغطي ملامحه بطبقة من الشمع الميت، مثل لاعب البوكر المحترف الذي لا تعرف قوة أو ضعف الأوراق التي بين يديه.. تعلم كيف يظهر في صورة الثري حتي لو كان مفلساً.. تعلم كيف يسيطر علي خصمه بما يجمع عنه من معلومات تصعقه.. تعلم أن كل شيء مباح مقابل تحقيق ما يشاء.. تعلم كيف يكون صورة عصرية من إبليس جعلته يتفوق علي الأصل.
إن في أعماقه إعجاباً بإبليس لا ينكره علناً.. أحيانا.. وكثيراً ما رفع صوته قائلا : لقد تحدي أبليس الله.. خالقه.. وصانعه.. وأصبح أقوي معارض منذ بدء الخليقة.. وسيحتفظ بهذا اللقب إلي يوم القيامة.. لا يمكن أن يستقيم الكون دون اختلاف.. فكيف نستسلم للرجل الواحد.. والحزب الواحد.. والرأي الواحد؟.. إنه عار لا يمحا من جبين أمة تدعي أنها صاغت حضارة الدنيا وأرست قواعدها وفرضت خصائصها.
لكنه.. لم يكن يجرؤ أن يفصح عن رأيه إلا خارج البلاد.. فهو داخل البلاد.. خادم مطيع.. وعبد للسلطة.. وتابع مخلص للسلطان.
نجح المحامون في إنقاذ أبيه من تهمة جلب المخدرات.. حيلة سهلة ومعتادة أعادت له حريته.. لعبوا في وزن المخدرات المضبوطة.. فاختلفت الكمية في محضر الشرطة عن الكمية المتحفظ عليها في الأحراز.. ومع تشكيك في الإجراءات ورغبة من وزارة الخارجية في الحفاظ علي سمعتها وضغوط من هنا وضغوط من هناك خرج جناب السفير إلي الحياة لعدم كفاية الأدلة.
في ذلك الوقت كان ابنه الوحيد قد فر إلي الخارج لاستكمال دراسته الجامعية في واشنطن عملاً بنصيحة عمه.. "اخرج يا شاهين.. دع الناس تنساك.. اترك مرمي النيران.. سافر.. عش بعيداً.. أمريكا هي النفوذ القادم في مصر.. تعلم كيف تكسب تلك القوة القادمة.. كل شيء مباح كي تسترد سمعتك.. تحالف مع الشيطان لو لم تجد سواه".
كانت الحياة في واشنطن مثيرة للطموح.. ولا تضع أحداً - مهما كانت بساطته في موضع الازدراء والسخرية.. القانون سهل هناك.. اجمع المال يهنأ لك الحال.. مهما كان حلمك مستحيلاً فهو قابل ببعض الإصرار للتحقيق.. كل الأبواب مفتوحة.. فقط عليك أن تطرقها في الوقت المناسب.. ليس من حق أحد أن يغلق باباً في وجه غيره.. ولو كان يسكن البيت الأبيض.. ويحكم تلك الإمبراطورية العظمي.
ساعدته خبرته القديمة في التنقل مع أبيه بين دول مختلفة في أن يتكيف مع المجتمع الأمريكي بسرعة.. لم يستسلم لنصائح الجيتو العربي بالانكماش داخل دوائره المغلقة والمعزولة.. بل فتح نفسه علي كل ما حوله.. بما في ذلك الجماعات اليهودية التي لم يكن من الصعب عليه اكتشاف أنها أسرع وسيلة مواصلات يركبها لتحقيق أهدافه.
لا أحد يعرف من أوقع الآخر في شراكه.. هو أم أوديت كوهين؟.. لكن.. المؤكد أن ذلك لم يستغرق وقتا.. فقد تعارفاً في طابور طويل أمام شباك التذاكر في محطة القطار.. والمؤكد أيضا أنه لولا أنوثتها الظاهرة ما تطوع لشراء تذكرتها.. بل أكثر من ذلك قرر تغيير مساره كي يحظي بساعات السفر إلي جوارها.. ولم يحتاجا إلا لنصف الطريق بين واشنطن وفلادلفيا كي يشعر كل منهما بأنه يريد الآخر.
لقد بهرها بحديثه عن بلاده.. وبطريقته في تناول الطعام.. وبأفكاره المتسامحة في الدين.. وبحماسه المتقد للصلح مع إسرائيل.. وبخفة ظل في ترجمة النكات المصرية.. وباقترابه خطوة خطوة منها.. إن الصياد يملك أسلحته.. لكن.. الفريسة مشدودة إلي مصيدته.
لم تكن الفريسة جنسية فقط وإنما مالية أيضا.. إن خبرته في تحديد مستوي الأثرياء مهما تخفوا في ثياب جينز مهلهلة وقميص من القطن المكرمش لا يمكن إنكارها.. لكن.. هذه الخبرة لم تكشف له أن أوديت لم تكن ابنة ملياردير يهودي فقط وإنما كان أبوها عضواً نشطاً في الكونجرس.. وممولاً مؤثراً في اللوبي الإسرائيلي المعروف بـ«إيباك».
لقد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.. الشهوة.. الثروة.. القوة.. لكن.. شيئاً ما حدث أجبره علي أن يعطي ظهره لكل ذلك وينصرف عنه.
كان يجلس في مطعم متواضع علي بحيرة وسط حديقة عندما اقترب منه شاب يرتدي ملابس رياضية ويبدو وكأنه انتهي من حصة جري وطلب منه بلهجة مصرية أن يسمح له بتناول بعض من الماء الذي علي مائدته.. وبغريزته النشطة أدرك شاهين صقر أنه أمام ضابط مخابرات يفتعل مسرحية كي يقترب منه.. فسارع بدعوته للجلوس.. واستسلم لتحذيره من علاقته بأوديت وعائلتها وجاليتها.. وعندما سأله : "أليس بيننا وبينهم سلاماً سعي إليه الرئيس أنور السادات كي يحققه بنفسه؟".. جاءت الإجابة قاطعة : "اسمع الكلام وابتعد".. وقبل أن يفكر في سؤال آخر يداري به مخاوفه لم يجد الضابط الشاب أمامه.. فص ملح وذاب.. بعد أن ترك رقم تليفون علي ورقة صغيرة.
ولابد أنه ارتبك.. وتشابكت خيوط الغزل في رأسه.. وتهشمت أحلامه في البقاء والثراء.. إنه فكر في أن يتخلص من كل ما يربطه ببلاده.. ويغير شخصيته.. بل يغير ديانته لو لزم الأمر.. هو لم يعد يريد أحدا هناك فلماذا يطاردونه؟.. ويسعون وراءه؟.
قرر أن تكون الليلة الليلة الأخيرة مع أوديت.. حاول جاهدا أن يبدو طبيعيًا.. لكن.. أنياب القلق التي نشبت في رأسه كشفته.. "كله إلا المخابرات المصرية ".. "لكن.. كيف أترك فرصة عمري تفر بين أصابعي خوفا من تهديد عابر ربما كان صاحبه يمزح؟".. تصارع جبريل وابليس أمام عينيه.. فخاف من عقاب جبريل.. لكنه استسلم لإغراء إبليس.. صديقه وحليفه ونجمه المفضل ومثله الأعلي.
وجد نفسه يروي لأوديت كل ما حدث.. فإذا بها تأخذه في أحضانها.. وتثير رغبته فيها.. "اليوم أوديت وغدا كوهين.. أنسَ مخابرات بلادك.. وخليك معي.. وسوف تربح ما لم تكن تحلم به". اختفت أوديت أسبوعا كاملا لم تتصل به خلاله فتضاعف شعوره بالقلق.. هل وقع بين كماشة الأجهزة الخفية هنا وهناك؟.. وتحول القلق إلي هواجس.. وبدأ يسمع أصواتا ويري أشكالا لا وجود لها حتي أنه عندما رن جرس الباب لم يتحرك من مكانه ليفتح.. فقد تصور أن ما وصل أذنه هو أيضا وهم.. بل إنه عندما وجد مفتاحا يتحرك وشبحا يدخل ويقترب منه بقي علي حاله.. ولولا قبلات أوديت ولمساتها المثيرة ما استرد وعيه.
- قم من فراشك واخرج من كهفك سنقضي الليلة معاً وغدا نسافر إلي القاهرة.. وبعد يومين سنقابل السادات.
هب من فراشه فزعا : السادات؟.
- نعم السادات.. سيقدمك إليه أبي بصفتك شريكه المصري الذي يعود إلي بلاده كي يستثمر ثرواته.
ابتسم ابتسامة ساخرة : إن ما أملكه لا يكفي لشراء كشك جرائد في مصر.
- ستذهب في حراسة الكونجرس وثروة الإيباك وسيستقبلونك في رئاسة الجمهورية استقبال الأبطال ويمكنك أن تطلب التخلص من ذلك الضابط الذي أزعجك بل يمكنك أن تكلفه بحمايتك.. لقد عدنا إلي مصر.. ولن نتركها ولو جاء مليون نبي مثل موسي.
كل ما قالته أوديت حدث.. وفي أسابيع قليلة أصبح شاهين صقر شخصية مالية شهيرة في مصر.. تتحدث عنه الصحف بإعجاب.. وتتسابق عليه البرامج التليفزيونية ليروي قصة كفاحه في أمريكا.. أرض الأحلام التي يسهل تحقيقها.. ولم يتردد السادات في منحه توكيلات تجارية مختلفة من بينها توريد أسلحة وقطع غيارها ضمن الشركات الأمريكية التي تتعامل مع المعونة العسكرية.
ولحظة أن حصل علي عقد الوكالة وجد الشيطان يتجسد أمامه.. مرة في صورة أدويت.. ومرة في صورة أبيها.. ومرة في صورة أوديت.. ومرة في صورته المرسومة في القصص الدينية.
إنه علي يقين أنه رآه وكلمه واحتضنه بل قبله من شفتيه ونام معه في فراش واحد ويصر أنه عندما استيقظ من نومه وجد بقعا من الدم علي ملاءة السرير دون أن يجد جرحا ظاهرا في جسده.. علي أنه لم يشعر بالخوف.. وإنما سيطرت عليه سعادة غامرة لم يعرف مصدرها.
أغرب ما حدث له بعد أن اصبح من نجوم المجتمع المالي والسياسي في مصر أنه لم يعد يشتهي أوديت.. بل الأشد غرابة أنه فقد اهتمامه بكل النساء.. لم يعد يفكر إلا في تلك الليلة التي قضاها في حضن الشيطان.
وكما توقع هجرته أوديت وبحثت عن رجل آخر يروي عطشها ويخفف من وطأة جسدها عليها.. لكن.. وعلي غير ما توقع لم يفض أبوها الشراكة التي بينهما.. بل تضاعف حجمها.. بيزنس إز بيزيس.
علي أن كوهين آلوني طالبه بما هو أكثر من البيزنس.. أن يكون في خدمة إسرائيل.. وخدمة الولايات المتحدة.. "لن نستطيع أن نحميك ما لم تكن رجلنا.. لن يمسك أحد بسوء في بلادك لأنهم في حاجة إلينا.. لا تخش شيئا.. كل ما عليك أن تكون حذرا.. خذ بالك من الغرباء.. لا تتورط في معركة مع الصحافة ولو كنت ستربحها.. ضع كل مسئول في جيبك وثق أن جيبك سيسع الجميع". وفي الوقت نفسه تلقي نصيحة أخري من عمه.. "لا يكفي أن تكون مسنودا من السلطة.. يجب أن تستوعب كل الشخصيات البارزة في المجتمع.. سهل عليك ذلك لو أقمت كل شهر حفل استقبال أغرقت فيه ضيوفك في الخمر وحشوت أمعاءهم بالطعام الفاخر".
والحقيقة أنه عمل بكل هذه النصائح بدقة متناهية.. دقة من يلعب بالنار ولا يريد أن يحترق.. دقة من يمشي علي سلك ولا يريد أن يسقط.. لكن.. أكثر النصائح التي التزم بها وكأنها وحي من الشيطان يجب تنفيذه.. مراقبة الغرباء.. والتقرب من الحكام.
كان أول رجل أعمال في مصر يضع كاميرات خفية في صالة استقبال شركته.. كان يري ضيوفه وزواره وهو في مكتبه ويسمع ما يقولون.. فإذ ما دخلوا عليه كان يعرف كل ما في نياتهم تجاهه.. وكان أول رجل أعمال يهدي شخصيات بارزة في الحكومة ساعة يد تصور وتسجل.. وتنقل المعلومة والنميمة للأجهزة المختلفة.
أما النصيحة الأخري فظل باقيا عليها إما بالحقيقة أو بالإيحاء.. فلو لم يستطع أن يخترق شخصية ما أوحي لكل من حوله بأنها لا تفكر بدون عقله ولا تأكل إلا معه ولا تصدر قرارا إلا بمشورته.. فعل ذلك مع رؤساء حكومات مختلفة.. واستخدم رسائل التليفون في لعبته.. "عفواً لا أستطيع الرد عليك لأنني في اجتماع مغلق مع رئيس الحكومة".. "أعتذر عن موعد الليلة لأن شخصية مهمة طلبتني في اجتماع طارئ".. "لن أستطيع مقابلتك إلا بعد أسبوع فأنا ووزير الاقتصاد نراجع قوانين مصلحة الشركات".
والغريب أن الناس تصدقه.. ليس لأنهم يدمنون الوهم.. ولكن.. لأنه برع في ترتيب لقاءات وندوات ومؤتمرات عامة تحت رعاية شخصيات مؤثرة ومهمة.. بل إنه كان يدعو لتلك المناسبات حكاماً من الخارج وهو ما أقنع كل من يعرفونه ومن لا يعرفونه بأنه في الخارج أقوي من الداخل.
علي أن أكثر ما يثير الدهشة أنه كلف بعض الصحفيين الذين يتعاملون معه بنشر شائعة عن علاقاته المريبة بالأجهزة الأمريكية.. إنها شائعات كان يؤمن بأنها ستحميه من خصومه داخل وخارج السلطة.. والأكثر دهشة أنه كان علي حق.. فهل نحن بالفعل "بلد تخاف ما تختشيش"؟.
ذات ليلة أصيب فيها بالأرق أحس بأن الجو لزج وثقيل ومشبع برطوبة كثيفة.. ولم تفلح أجهزة التكييف في التخفيف من ذلك.. لكن.. علامات السعادة ظهرت عليه.. إنها علامات وإشارات قدوم الشيطان.. وهو في هذا الوقت بالتحديد يريده.. ينتظره علي أحر من الجمر.
ظهر له الشيطان في صورة قزم قبيح.. سرعان ما تحول إلي فازة من الخزف.. لكنه.. في النهاية استقر علي صورة رجل مسنٍ وكأنه حكيم أو فيلسوف:
- هناك أمر يشغلك.
- أشعر بالوحدة.. وأحلم بطفل يرث كل ما جمعت.
- إنها مشيئة الله لا أملك التدخل فيها.
- لكنك حرمتني من المرأة.. أعد لي شهوتي.. ولو أسبوعا.
- ألا تستمتع معي؟
- نعم.. لكنني أريد طفلا.
- اذهب إلي المعمل واصنعه بالمواصفات التي تعجبك.. ليس لدي حل آخر.
كل شيء كان جاهزا في ذلك المركز الطبي بجبل الألب.. الطبيب الذي نزع من خصيته خلية إنجاب.. المرأة التي سيزرعون في رحمها الخلية.. الفيللا التي ستقضي فيها فترة الحمل.. تقرير كامل عن صورة الطفل القادم وصفاته الجسدية والنفسية والعقلية.. ولم يكن من الصعب عليه أن يسدد الفاتورة مقدما.. خمسة ملايين دولار.
ومرت شهور الحمل الصناعي بطيئة.. إنها الصفقة الوحيدة التي أصابته بتوتر لم ينته منه إلا عندما استدعوه للسفر كي يري ابنه.. وطوال الطريق وهو يتعجب.. كيف يمكن أن تتحول خلية من خصية تزرع في أحشاء امرأة لم يرها إلي كائن حي ينتسب إليه.. ويحمل اسمه.. ويكون من صلبه؟.
وما إن دخل حضانة المواليد الجدد وأشاروا إلي واحد منهم فهم أنه ابنه حتي بهت.. طفل أشقر.. عيناه في لون البرسيم.. يتفجر الدم من تحت بشرته الشفافة.. ويبدو في صحة جيدة.. وفي تلك اللحظة حاول أن يصلي ركعتي شكر لله.. لكنه لم يستطع.. شيء ما أصابه بالشلل.. وتسللت إلي أنفه رائحة عفنة.. وعندما نظر مرة أخري إلي طفله قبل أن يغادر الحجرة لم يجده.. وجد الشيطان ينام مكانه وقد بدا في شكل فأر أسود يرضع حليباً من بيبرونة.
في مكتب المدير المسئول عن تسليم المواليد سألوه:
- هل تفضل أن تكتب اسم الأم في شهادة الميلاد؟
- لكني لا أعرف ولم التق بها؟
- أنت حر فيمن تختار.
وفكر قليلا.. كيف ينمو ابنه في مجتمع يتفجر بالشائعات والخرافات دون أن يعرف أحد له أما؟.. هل سيصفونه بأنه ابن حرام؟.. هل سيدعون أنه تبناه من ملجأ سويسري؟.. لتكن له أم ولو لم يعرفها.. هو نفسه لم يعرف أمه طويلا.. ما الذي سيخسره من تسجيل الاسم.. سيقولون إنه تزوجها وأنجب منها وطلقها.. وفي تلك اللحظة وجد أمام عينيه سيدة جميلة رقيقة مهذبة شعر أنها أمه التي غابت عنه سنوات طويلة.. راحت تربت علي كتفه وهي تقول:
- لا طفل بلا أم يا ولدي.
وكتب اسم الأم: هيلدا شتراوس هوفمان.
وترك ابنه لأمه كي ترعاه شهورا أخري قبل أن يعود ليحمله إلي وطنه.. ودخل السيارة التي استأجرها.. وأدارها وهو يشعر بأن هناك من يضغط علي حنجرته.. وانطلق بالسيارة هابطاً من الطريق الجبلي المتعرج وهو يستمع إلي أغنية أجنبية لم يعرف من يؤديها.. وقد بدا الطريق خاليا من السيارات والشاحنات.. وهو ما جعله يسرح بعيدا.. لكن.. فجأة.. وجد في وجهه شاحنة من الحجم الثقيل تدخل إليه مسرعة.. وقبل أن يلفظ ما تبقي من أنفاسه وجد الشيطان يبتسم له وهو يهمس: لقد خنت العهد يا شاهين!.
في ذكري الأربعين وصلت عريضة دعوي من المواطنة السويسرية هيلدا شتراوس هوفمان تطالب فيها بكامل ثروة شاهين صفوت صقر بصفتها وصية علي ابنهما الوحيد. 
|